أحمد بن سهل البلخي

405

مصالح الأبدان والأنفس

طبائعهم المرّة فيضرّ به الخوى ، أن يتناول بالغداة شيئا ممّا يشتعل به نار المعدة من طيّب الأشربة والمربّيات كالجلنجبين « 1 » والسّكنجبين « 2 » ؛ ليكون ذلك نوعا من الغذاء يتعلّل به إلى وقت غدائه ، فيسلم / من أذى الخوى ، ولا يقع ممّا يتناوله من معدته موقعا يفسد عليه طعامه . وإن مالت نفسه إلى أكلة ثانية بالعشيّ ، فيجب أن يخفّفها بجهد ، ويخلّيها من اللّحوم ، وخصوصا ممّا غلظ منها من الدسومات ، ويقتصر على الخبز ، فإنّ الخبز هو الطعام الذي لا يكاد يعرض منه تخمة لأحد ؛ لأنّه الغذاء الذي ألفته الطبيعة منذ أوّل الأمر ، فهي تستمريه ، ولا يكاد منه يثقل عليها شيء إلا أن يفرط في الكثرة . وإن أحبّ أن يأدم الخبز بشيء ، فينبغي أن يجعله من جنس الحموضات والملوحات دون الحلاوى والدسومات ؛ لأنّ الحموضة والملوحة من شأنهما تفتيق الشهوة ، وتحليل أجزاء الطعام ، وتجويد هضمه . فإن كانت الأكلة الثانية أكلة صاحب شراب ، فإنّ الواجب عليه أن يجري الأمر في ذلك على أحد وجهين : إمّا أن يأكل تلك الأكلة الخفيفة ، ثمّ يبتدئ الشرب عليها ، ولا يستكثر من الشراب ؛ / لأنّ اجتماع الطعام المستوفي والاستكثار من الشراب لا تحتملهما « 3 » الطبيعة حتى تثقل وتعرض التّخمة ، وإمّا أن يشرب مقدار ما يهواه ، فإن قويت شهوته للطّعم ، تناول شيئا خفيفا بحسب ما وصفناه ، ثمّ قطع الشرب ، واقتصر على شرب الماء والنوم بعده ؛ ولا يجعل أكلته بين شرابين ؛ فإنّ من أضرّ الأشياء طعاما بين شرابين ، ولا يكاد متعاطي ذلك يسلم من ضرر يناله ويلحقه منه .

--> ( 1 ) الجلنجبين : هو مربى الورد ، ومعناه : ورد وعسل . معرب عن الفارسية ( الرسالة الألواحية 155 ) . ( 2 ) السكنجبين : شراب معروف من العسل والخل ، أو السكر والخل ، والمجرد منه والساذج : الذي لا بزور فيه ( مفيد العلوم 121 ) . ( 3 ) في أ : تحتملها . والصواب من ب .